أحمد بن الحسين النائب الأنصاري
27
نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان
محنة طغيان العرب من بنى سليم بن منصور ومن صحبهم من بنى هلال وقبائل عربية أخرى خرجت بوجه عربى جديد وقد تغيرت ملامحها الظاهرة ولكنها بقيت مغربية - ولا أقول بربرية - كما كانت ، وفي ثوبها العربي هذا أخذت تستعيد ملامح عمرانها وصناعاتها وزراعاتها القديمة وإن كان مستواها من الغنى ظل محدودا وهذا طبيعي بالنسبة إلى ظروفها الجغرافية التي نعرفها فلا مدائن زاخرة بالمبانى السامقة كما رأينا في مدائن المغرب الأقصى ولا قوات عسكرية ضخمة تحمل عبء دولة كبيرة ولا أسوار بالغة الحصانة تحيط بموانى الساحل ولا علماء يملأون بعلمهم طباق الأرض ، لأن هؤلاء - كما نرى في كلام العبدري في رحلته - ينتقلون إلى مدن أكبر حيث التلاميذ أوفر ومجالات العلم أوسع . ولكن ليبيا برعت في شئ انفردت به في الشمال الأفريقى كله هو تربية الضأن خاصة مع بعض الأعناز والأبقار والخيل القليلة والحمير فهذه كلها ثمرات المراعى ، وليبيا أساسا بلد مراع وقد صدّرت ليبيا الضأن إلى مصر وبلاد المغرب الأخرى بوفرة واشتهر ضأنها في العالم الإسلامي كله ودر عليها مالا وفيرا وكان صوف هذا الضأن موردا عظيما من موارد المال لليبيا ، وهي لم تصدره لمصر وبقية المغرب فحسب بل صدرته إلى أوروبا حتى كانت شهرتها بهذا الصوف الجيد سببا من أسباب طمع النورمان وغيرهم فيها . وأختم هذا الكلام عن الغزوة الهلالية وما كان لها من الأثر الحاسم في تاريخ ليبيا بعبارة بليغة لابن خلدون تجمل التغير الحاسم الذي أصاب ليبيا خلال القرن الذي انقضى من دخول الهلاليين المغرب سنة 442 ه / 1050 ومنتصف القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي ، قال - في سياق كلامه عن هوارة : إنهم : « ظواعن صاروا في أعداد النامقة من عرب بنى سليم في اللغة والزي وسكنى الخيام وركوب الخيل وكسب الإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تنقلهم قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها بفصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم .